“رمضان” شهر الخير أين أنت منه أيها التاجر المسلم

رمضان--شهر-الخير-اين-انت-منه-ايها-التاجر-المسلم

بقلم: فضيلة الشيخ الدكتور هاشم منقارة “رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي ، عضو جبهة العمل الإسلامي وإتحاد علماء بلاد الشام”

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

قال تعالى: : ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ (النور: 37).

أهلاً بشهر الخير شهر أختصه الله بفضائل عظيمة ومكارم جليلة، فهو كنز المتقيين، ومطية السالكين، قال المولى عز وجل: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ )).
شهر أختصه الله بتنزل الرحمات والبركات من رب الأرض والسماوات، يقول النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ )).
فالحمد لله أن بلغنا شهر رمضان بنعمة منه وفضل، ونحن في صحة وعافية وأمن وإيمان، فهو أهل الحمد والفضل.
فرحنا برؤية هلاله، فهلاله ليس كبقية الأهلة، هلال خير وبركة، عم ببركته أرجاء العالم، ونشر في النفوس روح التسامح والألفة والمحبة والرحمة، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله عند رؤية الهلال: (( اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ علَيْنَا بِالأَمْنِ والإِيمَانِ، وَالسَّلامَةِ والإِسْلامِ، رَبِّي ورَبُّكَ اللَّه، هِلالُ رُشْدٍ وخَيْرٍ )).
ما أشبه الليلية بالبارحة، وما أسرع مرور الأيام والليالي، نعتصر ألماً لوداع أيامه ولياليه، وها هي الأيام والليالي قد مرت بنا فلنجدد النية والعزم على استغلال ما بقي من أيامه ولياليه، لاغتنام فرصه وجني ثماره، وليرى الله فينا خيرا في شهرنا فأين انت منه ايها التاجر المسلم؟ وموجة الغلاء تجتاح الأسواق!!!

الاسلام والتجارة

ليس مستغرباً تميُّز التاجر المسلم عن غيره، ما دام نبيّ‏ُ الاسلام، خاتم أنبياء الله صلى الله عليه وسلم ، هو التاجر الأول، الذي عُرف نتيجة تعامله التجاري بالصادق الأمين.‏

أنّ‏َ دين الله تعالى انتصر في كثير من بقاع الأرض بفضل التجار المسلمين المخلصين الصادقين، وذلك، عندما كان التجار المسلمون يعتبرون أنفسهم دعاةً ومُبلّغين، قبل أن يكونوا بائعين وشارين.. وتجاراً للآخرة قبل أن يكونوا تجاراً للدنيا.‏

لن يجد المرء كثير عناء ليكتشف أن للتجار في الاسلام أخلاقاً وآداباً محدَّدة، يتميَّزون بها عن غيرهم من تجَّار الدنيا، والفرق الأساس أنّ‏َ أولئك تضبطهم الأنظمة والقوانين والسلطات، وتجار الاسلام ينضبطون بالتقوى والورع، والله تعالى رقي عليهم، ويرجون تجارةً لن تبور.

فالاسلام ومن جملة شموليَّته وإحاطته بسائر أمور الدنيا وشؤون الحياة، قنَّن ما يحتاجه التاجر في مختلف أنواع تحرُّكه وساحة عمله، لينعكس ذلك على الأمن الاقتصادي والاجتماعي في الدنيا، والسعادة والفوز في الآخرة.‏

فجعل شرائع تفصيليَّة للبيع والشراء والغَبْن والنَّقد والنَّسيئة والصلح والإجارة والمضاربة والشّركة والحوالة والكفالة والوكالة… تمتاز بالدّقة والاتقان والبركات الخاصة…

ولم يكتف بذلك، بل عُرف التجار المسلمون بأخلاقهم وصدقهم وأمانتهم ووفائهم، بناءً على توجيهات خاصة ومَسْلك مُعيَّن، نورد بعضاَ منها:

أخلاق التاجر المسلم

أ- الأمانة: وهي الثروة الأولى التي يُعوّل عليها التجار، بل هي أهم من الثروة الماليَّة التي يختلف رصيدها ارتفاعاً وهبوطاً، بينما الأمانة لا بُدَّ لها من المحافظة على وتيرة عالية واحدة، وثقة تامة.‏

فالتاجر الأمين يقترض المال، أو يُسلَّف البضاعة، أو يشتري ما شاء من الأنواع والأصناف والكميَّات، دون حذر أو وجل، لأنّ‏َ ثروة «الأمانة» أكسبته حصانة معنوية، ورصيداً لا يُزعزع، أين منه أرصدة البنوك؟فكم من تاجر يشتري البضاعة الكثيرة بمجرد كلمةٍ أو إشارة، وكم من تاجر لا يمون على القليل ولو استعان بالأيمان المغلَّظة، والوعود الخاوية؟‏

وصدق مَنْ قال: مَنْ أدَّى الأمانة، شارك النَّاس في أموالهم.‏

وما نفع التاجر الذي يفتقد صفة الأمانة، ولو توافرت له الأموال الكثيرة، ما دام مَنْ يتعامل معه لا يأمن من الغَدْر أو الخيانة؟‏

وماذا عن عقيدته ودينه: وهو يصلّي في مكانٍ ليس له، أو يتوضأ بماء لا يملكه، أو ينام والمظلومون يشكونه إلى الله تعالى؟‏

وصدق الله تعالى القائل:﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾.‏

التجارةَ هي من أفضل الأعمال الدنيوية التي يعمل فيها الناس لتحصيل أرزاقهم وأرزاق أهليهم وعيالهم، وخدمة مجتمعاتهم، ومما يتميَّزُ به التاجر المسلم عن غيره: تمسُّكُه بقِيم دينه، وتوكُّلُه الدائم على ربه.

ولذلك كان لا بدَّ لكل تاجر مسلم في هذا الزمان أن يتعرَّف على الأخلاق والمأمورات والمنهيَّات التي تتعلَّقُ بعمله؛ وذلك لانتشار المحرَّمات، وكثرةِ الشُّبهات، التي تعتري أكثرَ المعاملات، فتحرفُها عن الضوابط الشرعيَّة التي أمر الله تعالى بها.

من أولى ما يُذكَّرُ به التاجر المسلم في هذا الصدد: ألاَّ تشغلَه تجارتُه عن ذكر الله تعالى، ولا عن الصلاةِ، ولا عن تلاوةِ كتاب الله تعالى، ولا عن أداءِ حقِّ اللهِ في ماله، فقد أثنى الله عز وجل على عباده المؤمنين الذين لا تشغلُهم تجارتُهم عن طاعته، فقال: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ (النور: 37)، وحذَّر أولئك الذين استغرقوا في تجارتهم ومصالحهم،عن ذكر ربهم وطاعته ، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ (المنافقون: (9)

فالتاجرُ المسلم هو الذي يُقدِّمُ أمر الله تعالى على تجارته وربحه، ولا يساوم على دينه وقِيَمه مهما كلَّفه ذلك، قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (الجمعة) ( 9)

وهو الذي يتحرَّى ألا يُدخِلَ على نفسه الحرام مهما كان، ولا يأكل أموال الناس بالباطل، ملتزمًا بنهي ربِّه وهو يخاطِبُه فيقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ (النساء: 29)، ويقول تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (البقرة: 188).

صفات التاجر المسلم:

أولاً: الصدق والأمانة: قال صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق الأمين مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء).

فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المُصلَّى يومًا فرأى الناس يتبايعون، فقال: ((يا معشر التجار))، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعوا أعناقهم وأبصارَهم إليه، فقال: ((إن التجار يُبعثون يوم القيامة فُجَّارًا، إلا مَن اتَّقى الله، وبرَّ، وصدق.

ثانيًا: الابتعاد عن الشبهات: قال صلى الله عليه وسلم: ((دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك؛ فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)).

قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الحلالَ بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات، لا يَعلَمُهنَّ كثير من الناس، فمن اتَّقى الشبهات، استبرَأَ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام)).

ثالثًا: الإكثار من الصدقات، وعدم الاكتفاء بالفريضة: وذلك لأن أكثرَ التجَّار يقعون أثناءَ تعاملِهم وتجارتهم في اللَّغْو والحَلِف والشبهات، خصوصًا في زماننا هذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معشرَ التجَّار، إن البيع يحضرُه اللَّغْو والحلف، فشُوبوهبالصدقة.

رابعًا: التبكير في طلب الرزق: قال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم بارك لأمتي في بكورِها)).

خامسًا: التيسيرُ والتغاضي عن المعسرين: قال صلى الله عليه وسلم: ((رَحِمَ الله رجلاً سَمْحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))

سادسًا: إقالة النادم في بيعته: فهذا خلقٌ كريم من أخلاق التجار الأبرار، الذين يَطمعون فيما عند الله تعالى من الرحمة والرضوان، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أقال مسلمًا، أقاله الله عثرته))

كما أنه من المفيد هنا أن نستعرِضَ جملةً من السلوكيات المحرَّمة التي ينتهِجُها بعضُ التجَّار، مُتنكِّبين شرعَ الله تعالى وأوامرَه، آكلين أموالَ الناس بالباطل، من ذلك:

التطفيف: وهو أن يتلاعَبَ التاجرُ في الكيل أو الوزن أو العدد، وقد حذَّر الله تعالى من ذلك أشدَّ التحذير، وتوعَّد فاعلَه بالعذاب الشديد، فقال سبحانه: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (المطففين: 1 – 6).

الغش: وهو أن يخفي التاجرُ عيوبَ بضاعته، ويُظهِرَ محاسنَها، أو يزوِّر تاريخ صلاحيتها، أو يكذِبَ في بلد الصنع والإنتاج، أو يكذب في مواصفاتها وجودتها، أو غير ذلك من أنواع الغش التي كَثُرت في زماننا، وهو كبيرة من الكبائر، تَجمَعُ في طيَّاتها جملة من الكبائر المحرَّمة؛ كالكذب، والخيانة، والتزوير، وأكل الحرام.

الحلف الكاذب: وهو أن يحلف التاجرُ بالله كاذبًا؛ ليقنع المشتريَ بسعر البضاعة، أو بجودتها، أو بصلاحيتها، أو ليخفيَ عُيوبها، أو مصدرها، أو لأسباب أخرى، وقد نهى الله تعالى عن بذل الأَيْمان لغير ضرورة، فقال جل جلاله: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ﴾ (القلم: 10).

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الحلفُ مَنْفَقةٌ للسلعة، مَمْحَقَةٌ للبرَكة)) ، أما إذا كان البائع كاذبًا في حلفه، فهي كبيرة من كبائر الذنوب، حذَّر منها النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ التحذير، وأوعد فاعلَها بالعذاب الأليم من رب العالمين، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثةٌ لا يكلِّمُهم الله يوم القيامة، ولا يَنظُرُ إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم))، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: ((المُسْبلُ، والمَنَّان، والمُنَفِّقُ سلعتَه بالحلف الكاذب)).

الاحتكار: وهو حبسُ أقواتِ الناس وحاجاتهم؛ بقصْدِ إغلائها، واستغلال حاجة الناس إليها، مما يسبب إضرارًا وتضييقًا على أفراد المجتمع المسلم، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الفعل، وأخبر بأن فاعلَه آثم خاطئ، قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن احتكر على المسلمين طعامًا، ضربه الله بالجذام والإفلاس))

غلاء الأسعار

إن غلاء الأسعار مما عم به البلاء لا بد من النظر إليه من منظار الشريعة؛ لأن مثل هذه الظواهر الخطيرة إذا لم تُعالج أدت إلى كوارث ونتائج سيئة: انتشار الفقر في المجتمعات، وظهور الأمراض الخطيرة الاجتماعية من البطالة والسرقة والإجرام، وكثرة المتضررين، واتساع الطبقة الفقيرة، وإلحاق كثير من أفراد الطبقة المتوسطة بالفقراء،فالقاعده الاجتماعية:انه ليس للفقراء ما يخسرونه وهم بالتالي معرضون للمغامرات بعكس الطبقة الوسطى التي لديها ما تدافع عنه وتحرص عليه

موجة من الغلاء تجتاح أسواقنا تارة يقال بجائحة كورونا وتارة بجائحة الفساد والازمة الاقتصادية،ارتفعت فيها أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفاعاً فاحشاً، مما أدى إلى إنهاك جيوب الشرائح الاجتماعية على اختلافها وضرب القوة الشرائية للفرد والعملة الوطنية بفعل المضاربات.

والله سبحانه وتعالى قد أخبرنا أنه لا تصيبنا مصيبة إلا بما كسبت أيدينا، ولكن هذا يُدفع بالتوبة، ويدفع كذلك بمعرفة الأسباب وعلاجها.

موقف التاجر المسلم عند الغلاء

إن محبة الخير للمسلمين أمر أساس، وقد كان الواحد يحذر أن يزداد ربحه على حساب معاناة الآخرين، والتاجر المسلم يتحلى بحسن النية، والرفق بالمسلمين، وتوفير الجيد لهم بالثمن المناسب لهم، وأن يكون أميناً، وقد خرج “النبي ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار ، فاستجابوا لرسول الله ﷺ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق.رواه الترمذي وهو حديث صحيح.

التاجر المسلم لا يكذب، ولا يحتال، وينبغي أن يكون سمحاً في المعاملة، سمحاً في القضاء والاقتضاء، سمحاً في البيع والشراء، وقد قال ﷺ: رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى ، وأن يكون سخياً بالصدقات: “قحط الناس في زمن أبي بكر، فقدمت لعثمان رضي الله عنه قافلة من ألف راحلة من البر والطعام، فغدا التجار عليه، فخرج إليهم، فقال: ماذا تريدون؟ قالوا: بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة براً وطعاماً، بعنا حتى نوسع على فقراء المدينة، فقال لهم: ادخلوا، فدخلوا، فقال: كم تربحوني على شرائي؟ قالوا: العشرة اثني عشر، قال: قد زادوني، قالوا: العشرة أربعة عشر، قال: قد زادوني، قالوا: العشرة خمسة عشر، قال: قد زادوني، قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة؟ قال: زادني بكل درهم عشرة عندكم زيادة؟ قالوا: لا، قال: فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة”! هكذا كان عثمان رضي الله عنه، وابن عوف، وغيرهم من أغنياء التجار، يجودون على فقراء المسلمين، ولا يستغلون مثل هذه الفرص لكي يرفعوا الأسعار، ويحتكروا الأطعمة ليبيعوا على الناس بالغلاء، إن الرفق بالمسلمين أمر جد طيب، وإن الحرص على مصلحتهم أمر جد حسن، أين أخلاق الأمانة؟

توجيهات عند ارتفاع الأسعار

فمن ذلك: عدم التوسع في الشراء وجعله بحسب الحاجة وليس كما هو عند المسرفين، شهوة ولذة وهواية! فنقول: هذا المال محاسب عليه الإنسان فيما اكتسبه وفيما أنفقه، فلا تجعلن الأمر الذي عليه مناط حسابك يوم الدين شهوة نفس،

قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الاعراف (31).

“فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من المسرفين فيها، فإن أولئك إذا أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا يصبرون عنها وتكثر أمراضهم بسببها”.

ثم مراعاة الأولية في الإنفاق، وقد جاءت الشريعة بالحكمة، والحكمة وضع الأشياء في مواضعها، ونهت عن الظلم، وفي عدم وضع الشيء في موضعه في الشراء ظلم للنفس، وقد وجد في بعض الدراسات أن الكماليات هي ثلثا المشتريات.

ثم ثالثاً: لا بد من ترشيد الاستهلاك، وإذا صارت القضية إنفاقاً في سبيل الله جادت النفس، وأما بالنسبة لما يشتريه الإنسان في العادة فالسياسة فيه قوله تعالى: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا. سورة الاسراء :29

ورابعاً: التحلي بخلق القناعة، والغنى في الحقيقة غنى النفس، والنبي ﷺ أوصانا في أمور الدنيا أن ننظر إلى من هو دوننا وليس إلى من هو فوقنا، فقال: انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله رواه مسلم ، وقال ﷺ: قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه رواه مسلم ،

هي القناعة فالزمها تعش ملكاً *** لو لم يكن منك إلا راحة البدن

وانظر إلى مالك الدنيا بأجمعها *** هل راح منها بغير القطن والكفن

وخامساً: الفطنة وعدم الاغترار بالعروض والإعلانات والدعايات الكاذبة

وسادساً: الحذر من إنفاق المال في المحرمات، والنبي ﷺ قد أخبرنا أن السؤال: من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ والإنفاق في الحرام تبذير، وقد قال الله: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ )سورة الإسراء:27، والعلاج العام للقضية التوبة والرجوع إلى الله،

ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، والاستغفار من أسباب الازدهار: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًاسورة نوح:10-12.

ادارة الازمة

لقد كان في تاريخنا المشرق من أنواع إدارة الأزمات قبل أن يعرفه أهل الإدارة في العصر الحديث، ولما قامت الأزمة في عهد عمر رضي الله عنه في عام الرمادة، وحصل قحط شديد، وقل الطعام، ودام تسعة أشهر وسمي بعام الرمادة؛ لأن الريح كانت تسفي تراباً كالرماد، وقيل: لأن الأرض صارت سوداء مثل الرماد، فما هي التدابير التي اتخذها عمر رضي الله عنه في إدارة هذه الأزمة؟

أولاً: حث الناس على كثرة الصلاة والدعاء واللجوء إلى الله، وكان يصلي بالناس العشاء ثم يخرج حتى يدخل بيته فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب -أطراف المدينة-، فيطوف عليها، ويقول في السحر: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي، ويقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين -يعني القحط-، وارفع عنا البلاء، يردد هذه الكلمة.

ثانياً: كتب إلى عماله على الأمصار طالباً الإغاثة، وفي رسالته إلى عمرو بن العاص والي مصر بعث إليه: يا غوثاه، يا غوثاه، أنت ومن معك، ومن قبلك فيما أنت فيه، ونحن فيما نحن فيه؛ فأرسل إليه عمرو بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدقيقة والدهن، وبعث إليه بخمسة آلاف كساء، وهكذا أرسل إلى سعد بن أبي وقاص؛ فأرسل إليه بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثة آلاف عباءة، وإلى والي الشام؛ فأرسل إليه بألفي بعير تحمل الدقيق، ونحو ذلك مما حصل من مواساة المسلمين لبعضهم؛ لأن هذه الأمة واحدة، فإذا مس بعضها شدة تداعى الباقي لها، جسد واحد.

لا بد أن يكون لنا اقتصاد انتاجي وليس ريعي وهذا امر سبق وفصلناه في مقالة سابقة عن الاقتصاد الاسلامي،ويجب توفير السلع بأنسب الأثمان، ودعم السلع للمواد الأساسية، وانتشار المؤسسات الخيرية، والقضاء على الفساد والربا وهما السبب الرئيس للتضخم المؤدي إلى غلاء الأسعار، ثم منع الاحتكار وهو ليس خاصاً بالأقوات بل كل ما يحتاج إليه الناس.

اللهم إنا نسألك أن تفتح لأمة محمد ﷺ فتحاً مبيناً، اللهم عجل فرجنا وفرج المسلمين، وانشر الأمن والإيمان علينا، والبركة والخير، وعلى إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين،واجعل بلدنا هذا آمناً رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين.

(والله غالب على امره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s