حذاري شبهة: الإستغناء بالقرآن عن السُنة

حذاري-شبهة-الإستغناء-بالقرآن-عن-السُنة

بقلم: فضيلة الشيخ هاشم منقارة “رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي ، عضو جبهة العمل الإسلامي وإتحاد علماء بلاد الشام”

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
قال الله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (65) سورة النساء.
وقوله : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة : أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور ، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا ; ولهذا قال ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) أي : إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به ، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة ، كما ورد في الحديث : ” والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ” .

أمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وألزمهم بها في مواضع كثيرة من القرآن العظيم، وكذا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة، ولا يسع أحد إنكاره، قال تعالى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) النساء:80، وقال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [المائدة:92]، وقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور:56]، وقال تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} [الحشر:7].

ستظل سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم على مدى الأجيال والقرون، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها نبراسًا للمسلمين، تضيء لهم حياتهم، ولئن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه، فإن الله قد حفظ لنا كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهما طريق الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: «ترَكْتُ فيكم أَمرين، لَن تضلوا ما تمسَّكتُمْ بِهِما: كتاب الله وسنة رسوله» (رواه الحاكم)،: “والحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام”.

الطاعنون في السنة
منذ بعثة الحبيب المصطفى محمد صل الله عليه وسلم دأب الزنادقة حتى الان الطعن في السنة النبوية المطهرة وهؤلاء وضعوا بداية أحاديث لتشويه سمعة المسلمين، وللتنقيص من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وصولاً الى شبهة الاستغناء بالقرآن عن السنة،بما يستلزم من طعن في الصحابة الكرام وأئمة الحديث وصحاحهم.

فالزنادقة المعاصرون من مستشرقين واتباعهم ممن شكلوا طلائع الغزو الاستعماري لبلاد العرب والمسلمين من العلمانيين والحداثيين وقد تشربوا هذا المنهج الاستشراقي (التبشيري)،لم تتغير آراؤهم ومواقفهم من السنة، لقد تابعوا نهج أسلافهم وربما زادوا عليها في طعونهم في السنة.

والعجب العجاب ان يخرج علينا بعض الرؤوساء العرب من حين لآخر بتصاريح تنم عن تآمر او جهل وكلاهما عظيم لمن هم في مواقع المسؤولية والقرار فمن القذافي في كتابه الاخضر مروراً بالتونسي الحبيب بو رقيبة الى السيسي وتصريحاته المثيرة للريبة والجدل بحجة تصحيح الخطاب الديني ومحاربة الارهاب والتطرف بشكل لافت وعلى الهواء مباشرة، تابع المصريون مبارزة كلامية بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وشيخ الأزهر أحمد الطيب، في جولة جديدة من جولات الخلاف بين الرجلين، وكان الموضوع هذه المرة هي السنة النبوية التي انحاز لها الطيب بينما بدا أن السيسي يفتح الباب أمام مناقشتها بدعوى التجديد.

فخلال احتفالات المولد النبوي الشريف ، هاجم شيخ الأزهر أحمد الطيب ما وصفها بـ”الصيحات التي دأبت على التشكيك في قيمة السنة النبوية وفي ثبوتها وحجيتها والطعن في رواتها”، كما هاجم الدعوات “المطالبة باستبعاد السنة جملة وتفصيلا من دائرة التشريع والأحكام والاعتماد على القرآن الكريم فحسب”.

وتنتشر بين الحين والآخر دعوات عبر وسائل الإعلام تُشكك في السنة النبوية، وتطالب بالاكتفاء بالقرآن الكريم كمصدر للعبادات والمعاملات.
وأوضح الطيب أن هذه الدعوة ظهرت في الهند منذ نهاية القرن التاسع عشر، وشاركت فيها شخصيات شهيرة هناك، منهم من انتهى به الأمر إلى ادعاء النبوة، ومنهم من كان ولاؤه للاستعمار، ومنهم من أداه اجتهاد إلى إنكار الأحاديث النبوية، ما كان منها متواترا وغير متواتر.

واستخدم شيخ الأزهر أسلوبا لاذعا عندما عرض قصة أحد منكري السنة الذي سئل عن كيفية إقامة الصلاة طالما أن القرآن لم يأت على تفصيل ذلك، فقال إن “كيفية أداء الصلاة أمر متروك لرئيس الدولة ويحدده بمشورة مستشاريه حسب الزمان والمكان”.

واختتم شيخ الأزهر كلمته بقوله: أتساءل تساؤل تعجب ودهشة بالغة، من أنبأ هذا النبي الكريم بأن ناسا ممن ينتسبون إليه سيخرجون بعد أكثر من 13 قرنا من الزمان، ينادون باستبعاد سنته والاكتفاء عنها بالقرآن ليحذرنا من صنيعهم قبل أن يخلقوا بقرون عدة، وذلك في حديث صحيح “يوشك رجل منكم متكئا على أريكته يحدث بحديث عني فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه”.

رد السيسي
ويبدو أن خطاب شيخ الأزهر أثار حفيظة السيسي الذي أنهى كلمته المكتوبة، ثم اشتبك مع ما ذكره أحمد الطيب بشكل مباشر، مؤكدا أن خطاب شيخ الأزهر دفعه للحديث خارج السياق قليلا، مضيفا: “أرجو ألا يفهم أحد كلامي على أنه إساءة إلى أي أحد”.

وتابع السيسي: “الإشكالية في عالمنا الإسلامي حاليا ليست في اتباع السنة النبوية من عدمها، فهذه أقوال بعض الناس، لكن المشكلة هي القراءة الخاطئة لأصول ديننا، وهذه المرة الرابعة أو الخامسة التي أتحدث فيها معكم، كإنسان مسلم وليس كحاكم”.

وتساءل السيسي: “من أساء إلى الإسلام أكثر: الدعوة إلى ترك السنة النبوية والاكتفاء بالقرآن فقط، أم الفهم الخاطئ والتطرف الشديد؟ ما هي سمعة المسلمين في العالم الآن؟”.

لماذا الهجوم على السنة النبوية ؟ ومن يقف وراءه؟
الهجوم على السُّنة النبوية في ذاته هو أمر تقليدي للغاية ما دام الصراع بين الحق والباطل قائماً إلى يوم القيامة. فإذا كانت الإجابة الحتمية على هذا السؤال هي: أن هذا التصاعد يحدث لأن هناك من يقوم بدعمه واحتضانه، تأكَّد لدينا أن هذه الإجابة هي إجابة السؤال الثاني (من الذي يقف وراءه؟) نفسها. أن المسألة لا علاقة لها تماماً لا بالفكر ولا بحريته، ولا بالبحث والاجتهاد ولا بأي شيء من ذلك؛ إنما هي سياسة فقط؛ سياسة قوى قررت أن تقود ضد الإسلام حرباً فكرية شعواء مدججة بالمال والإعلام والتزييف والتدليس والقهر السياسي.

الهجوم على الثوابت لتفكيك الأمة:
من خلال ما تقدَّم يتضح خطأ التعامل مع قضية الهجوم على السُّنة النبوية في نطاق مستقل؛ وإنما يجب التعامل معها في الإطار الشامل لهذه الحرب الفكرية، فالهجوم على السُّنة النبوية يأتي في إطار الهجوم على كل ثوابت الإسلام؛ هجوم على الشريعة بالدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وهجوم على أهل السُّنة والجماعة بمسمى محاربة الارهاب والتطرف ، وهجوم على كل شيء له علاقة بالإسلام الحقيقي،سبق وتناولنا في عدة ابحاث وبشكل تفصيلي بعضاً منها تحت العناوين التالية:ظهور الامام المهدي،السفياني صاحب جيش الخسف، الاسلام والعروبة، الأسرة في الاسلام وابعاد طرح مسألة الزواج المدني، الاسلام “دين ودولة، دور العالم في ضبط مسار الحاكم، الصهيوصليبية مجدداً (دور الماسونية العالمية ومثيلاتها)،العولمة وعالمية الاسلام، العالم ينتظر عدالة الإسلام….والتي يمكن مراجعتها على الشبكة العنكبوتية والتي ستجمع بحول الله في كتاب ضمن دراسة شاملة.

وفي المقابل يريد اعداء الاسلام طرح إسلام بديل بلا قواعد ولا ضوابط يسمى الإسلام الليبرالي؛ يتوافق مع المضمون العَلماني الغربي ولا يحمل من الإسلام نفسِه سوى الشعار، ومن ثَمَّ يتخلص الغرب الأمريكي من صراعه الحضاري مع الإسلام بحسب تصور قادة الفكر لديه من أمثال ليونارد لويس وفوكوياما وهينتنغتون.

الهجوم على السُّنة ذريعة للهجوم على القرآن:
بناءً على ما سبق فإن الهجوم على السُّنة النبوية لا يقف عند حدود السُّنة النبوية فقط؛ وإنما يستهدف القضاء على الإسلام بالكامل؛ لأنه يستهدف الهجوم على القرآن أيضاً بشكل مباشر؛ لأن إسقاط السُّنة يعطي الفرصة لكل مغرض وحاقد على الإسلام أن يفسر القرآن تبعاً لما يمليه عليه هواه؛ لأن السُّنة «هي التي تبيِّن مجمله، وتقيد مطلقه وتخصص عامَّه… وقد يحتمل نص الكتاب أمرين فأكثر فتُعيِّن السُّنة أحدهما».

ولسان حال من يستهدف السنة يذهب إلى أنه بإسقاط السُّنة «أصبحت المحرمات والمسلَّمات والثوابت السابقة مادة ممكنة للبحث والاستنباط والتمحيص والمناقشة واستخراج سوءاتها وسيئاتها وتعريتها وتعرية رجالها؛ مثل الصحابة والتابعين والفقهاء»فأين هذا الإيمان بالقرآن لدى رجل يسخر من كل الثوابت والمحرمات والصحابة؟

إن الأمر لا يعدو كذبة مزعومة للتستر على الإلحاد والعمالة

من التخطيط والمكر المسبق إلى الهجوم المعلَن:
في عام 2004م أصدرت مؤسسة راند تقريرها الشهير الذي أصدرت معه ملحقاً خاصاً سمي (حرب الأحاديث) جاء فيه: «إن معظم الجهود الحالية لإصلاح الإسلام ترتكز حول الخلاف على أحكام وممارسات محددة فيه هي محل انتقاد من غير المسلمين؛ خاصة أنها لا تتناسب مع العصر الحديث»وتضيف الدراسة «أن القرآن بشكل عام فوق النقد (وإن كان الأمر غير متفق عليه عالمياً)؛ إلا أنه هناك قضايا كثيرة لم يتطرق إليها، أو أنه يشير إليها بغموض؛ ولذلك فإن الخلاف بين التيارات الإسلامية يقوم على أساس رؤيتهم وتفسيرهم للحديث الشريف»
ثم تنتقل الدراسة إلى التشكيك بأهم مصادر الحديث الشريف مثل صحيح البخاري، والطعن في قدرة البخاري نفسه على التوثق من صحة الأحاديث، وتَخلُص الدراسة بعد ذلك إلى أنَّ «احتضانَ إسلامٍ أكثر ديمقراطية يتطلب العمل على ثلاثة خطوط متوازية في ما يتعلق بموضوع الحديث الشريف:

أولاً: يجب تثقيف العامة وتعليمهم بشكل أفضل كيفية فهم دينهم بأنفسهم دونما حاجة إلى البقاء تحت رحمة سلطة دينية.
ثانياً: حتى يحدث ذلك يجب توفير مادة من الأحاديث المناقضة لما هو بين يدي العامة لهؤلاء الذين يريدون مجتمعات أكثر (تسامحاً ومساواة وديمقراطية) وهم مقتنعون أن هذه التغيرات التي يسعون إليها (غير إسلامية).
ثالثاً: تشجيع الاجتهادات الفقهية التي يقوم بها بعض الفقهاء هنا وهناك، ممن لم يحصروا أنفسهم بمدرسة فقهية معيَّنة، بل إنهم يمزجون القوانين الإسلامية بالقوانين المدنية ليَخرُجوا باجتهادات جديدة… مثل هذه الجهود المتفرقة يجب جمعها ووضعها بين يدي الفقهاء والمهتمين من الجمهور في العالم الإسلامي».

الإقصاء الإعلامي للعلماء والمفكرين:
يحدث كل هذا الإفك ويجد الترحيب والرعاية من كثير من القنوات الإعلامية بدعوتي (حرية الفكر، والاجتهاد)؛ بينما يجري إقصاء العلماء والمفكرين عن الرد عليهم: إما بإعطاء دورهم لمن جرى استمالتهم من رجال منسوبين للدين، أو عدم إعطائهم المساحة الكافية للرد والتشويش عليهم لإظهار هؤلاء المتطاولين على الإسلام بصورة المنتصرين.

أن التعـامل مع هـؤلاء المتطاولين على السُّنة لا يجب أن يكون بشكل مستقل؛ وإنما في إطار مواجهة حرب فكرية شاملة تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على الإسلام، ولا من خلال اعتقاد أن مشكلة هؤلاء هي الجهل بالإسلام كما يردد عادة كثير من المشايخ الذين يردُّون عليهم؛ ولكن المشكلة في خطط مدبَّرة، وبرامج محدَّدة يعمل هؤلاء على تنفيذها.

مصادر التشريع في الإسلام
يعتمد المسلمون في معرفة شرائع الإسلام وأحكامه على أصول وأدلة كبرى يستمدون منها العلم بأحكام الوقائع هل هي حلال أم حرام..
والأدلة الكلية للشريعة كالتالي:

القرآن الكريم:
وهو كتاب الله المنزل لعباده هدى وبياناً وفرقاناً بين الحق والباطل، وهو المحفوظ من التبديل والتغيير، فإذا أمر الله في كتابه أو نهى وجب على جميع المسلمين الانقياد لمقتضى الأمر والنهي، فإذا قال: }وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ{ (النور: 56) علمنا يقينا وجوب الصلاة، وإذا قال: }وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{ (الإسراء: 32) علمنا يقينا حرمة الزنا.. ولمَّا كان الله قد تكفَّل بحفظ القرآن عن التغيير والزيادة والنقصان فإننا فقط نحتاج للتأكد من دلالة الآية على المقصود.

السنة النبوية:
وهي كل ما ثبت من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وأخلاقه، فإذا علمنا ثبوت قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها” (البخاري 5109) علمنا أنه لا يجوز ولا يصح أن يتزوج الرجل امرأة ويتزوج معها عمة تلك المرأة أوخالتها.
وينظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستنباط الأحكام منها في جهتين:
ثبوت نسبة الحديث للرسول صلى الله عليه وسلم, وقد قام علماء الإسلام بجهود جبارة, وبأعلى معايير الدقة والإتقان لدراسة السنة النبوية الشريفة وتمييز الحديث الصحيح الذي ثبت برواية الثقات الحفاظ عن الأحاديث التي تنسب للرسول صلى الله عليه وسلم وليست من سنته، وإنما نشأت بسبب الخطأ والوهم أو بسبب كذب بعض أعداء الإسلام.
دلالة الحديث على المعنى المقصود, وقد تكون الدلالة صريحة واضحة لا يختلف في معناها, وقد تكون محتملة أكثر من معنى, أو لا تفهم إلا بضمها إلى حديث آخر.

الإجماع:
وهو اتفاق علماء الإسلام قاطبة على أمر من الأمور في أي عصر من العصور، وغالب أحكام الإسلام وشرائعه الكبرى اتفق عليها علماء الإسلام ولم يختلفوا فيها, ومن ذلك: عدد ركعات الصلاة، ووقت الإمساك والإفطار في الصيام ووقت الإفطار, وقدر الزكاة في الذهب والفضة, وغير ذلك من الأحكام.
فإذا اتفق الصحابة أو من جاء بعدهم على قول كان ذلك دليلا على صحته؛ لأن الأمة لا تجتمع كلها على خطأ.

القياس:
وهو الحكم على مسألة لم ترد في الكتاب والسنة بحكم مسألة أخرى وردت لاتفاقهما في علة الحكم وسببه، مثل قولنا بتحريم ضرب الوالدين قياسا على تحريم التأفف ورفع الصوت عليهما، كما قال تعالى(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) (الإسراء: 23) فإذا حرم الله رفع الصوت حتى لا نؤذي به الوالدين فإن تحريم الضرب من باب أولى لاتفاقهما في علة الإيذاء.. وهو باب دقيق يختص به أهل العلم المتمكنون, وبه تعرف أحكام المسائل الحادثة.
لماذا يختلف العلماء مع اتفاقهم في مصادر التشريع؟

لمعرفة ذلك يجب أن تتعرف على التالي :
جميع أهل العلم متفقون على مسائل الإيمان وأصول الشرائع وأركان الإسلام ومبانيه العظام, وإنما ينحصر الخلاف في بعض تفاصيل الأحكام الفقهية وتطبيقاتها.
أما القواعد العامة وأصول الأحكام فأهل العلم متفقون عليها بفضل الله على هذه الشريعة التي هي خاتمة الشرائع والرسالات, والتي تكفل الله بحفظها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
الاختلاف في الأمور الفرعية والتفصيلية أمر طبعي، ولا يوجد تشريع سماوي أو وضعي يخلو من ذلك، بل لا يوجد علم من العلوم يخلو منه، فعلماء القانون مختلفون في شرحه وتفسيره، والمحاكم مختلفة في تطبيقه، وعلماء التاريخ مختلفون في رواياته وأحداثه، والأطباء والمهندسون والخبراء والفنيون يختلفون في الموضوع الواحد والنظر إليه وتحليله.
فالاختلاف في الأمور الفرعية والتفصيلية أمر طبعي تقتضيه الحياة العلمية والعملية.
الله عز وجل قد عذر من طلب الحق بالطريقة الصحيحة فأخطأ الوصول إليه, وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم الباحث عن الحق بالطريقة الصحيحة بأنه لا يخلو من الأجر في الحالين.
فإن أصاب الحق كان له أجران, وإن أخطأ مع حرصه وسلوكه للطريق الصحيح كان له أجر واحد, قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر” (البخاري 7352)
جميع أهل العلم المعتبرين وأئمة المذاهب الأربعة يعتمدون على الكتاب والسنة ولا يتقدمون عليها برأي أو اعتراض، ولم يكن اختلافهم مبنيا على هوى أو اندفاعا وراء أغراض ومصالح، بل كان مبنيا على أسس علمية موضوعية للوصول إلى الحق, فقد يبلغ الحديث أحد أهل العلم ولا يبلغ الآخر, أو تختلف وجهات النظر العلمي في تفهم الدليل من الكتاب والسنة وغير ذلك.
اشتهر أربعة من أعظم علماء وفقهاء الإسلام اتفق الناس على إمامتهم في العلم والدين, وبلغوا درجة عالية من الفقه والعلم والديانة، وكثر طلابهم ونشروا أقوالهم وعلموها للناس في أنحاء الأرض, فتكونت لدينا المذاهب الأربعة المنتشرة في بلاد المسلمين نسبة إليهم, وهم كالتالي:
الإمام أبو حنيفة, واسمه النعمان بن ثابت, عاش في العراق, وتوفي عام 150 للهجرة, وإليه ينسب المذهب الحنفي.
الإمام مالك بن أنس الأصبحي, إمام المدينة المنورة, توفي عام 179 للهجرة, وإليه ينسب المذهب المالكي.
الإمام الشافعي, واسمه محمد بن إدريس, عاش بين مكة والمدينة والعراق ومصر, وتوفي عام 204 للهجرة, وإليه ينسب المذهب الشافعي.
الإمام أحمد بن حنبل, عاش غالب حياته في العراق, وتوفي عام 241 للهجرة, وإليه ينسب المذهب الحنبلي.
وقد كان بين الأئمة الأربعة وطلابهم ثناء متبادل, وتدارس متنوع فالكل يحرص على اتباع الحق والصواب, ولا يجد حرجاً من أن يوافق فلاناً في مسألة, والآخر في مسألة أخرى؛ اتباعا للحق والدليل, ولهذا نجد أن بعضهم تتلمذ على الآخر, فالإمام أحمد تتلمذ ودرس على يد الشافعي, والشافعي تتلمذ ودرس عند الإمام مالك, وحصلت بين مالك وتلاميذ أبي حنيفة لقاءات ومدارسات علمية..
وقد ثبت عن الأئمة الأربعة جميعا قولهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي, فمقصودهم الأول نشر العلم ورفع الجهل عن الناس, فرحمهم الله رحمة واسعة.

ما الواجب على المسلم تجاه الخلاف الفقهي؟

الواجب على المسلم الاجتهاد في اتباع الحق والوصول إليه..
فإن كان من طلاب العلم المتخصصين والمتمكنين من دراسة الأدلة, فيلزمه اتباع ما وصل إليه اجتهاده في فهم الأدلة وفق قواعد علم أصول الفقه, ويحرم عليه التعصب لشيخه أو مذهبه إذا ظهر له أن الصواب مع غيره.
أما من كان من عامة المسلمين وهو غير متخصص أو متمكن من النظر في الأدلة فيلزمه أن يجتهد في تقليد الأوثق لديه في دينه وعلمه, وهو بذلك قد أدى ما عليه, وامتثل قول الله تعالى(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: 7)
وإذا علم قولاً موثوقاً أو سأل عالماً معتبراً في مسألة فلا يلزمه أن يسأل بعده أحداً, فإن علم بقول آخر مخالف له فعليه أن يتبع من يظن أنه أقرب إلى الصواب والحق, كما يفعل المريض إذا اختلف الأطباء في وصايا علاجه.
وعليه أن لا يعيب ولا ينكر على غيره من المسلمين إذا خالفه الرأي مادام قد اتبع مذهباً فقهياً أو قلد عالماً معتبراً أو كان من أهل الاجتهاد والفقه وقد كان الصحابة والسلف يختلفون في المسائل الفقهية مع بقاء المحبة والأخوة ويتحاورون من غير أن يعيب بعضهم بعضاً.

(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)
من أعظم ما تقرب به المتقربون لله عز وجل طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وألزمهم بها في مواضع كثيرة من القرآن العظيم، وكذا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة، ولا يسع أحد إنكاره، قال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً [(النساء)، وقال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [المائدة:92]، وقال(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور:56]، وقال تعالى(وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [(الحشر:7)

قال الحافظ ابن كثير “أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمركم بخير وإنما ينهى عن شر”. وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول صلى الله عليه وسلم على حُكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله صلى الله عليه وسلم”، وقال أحمد بن حنبل: “نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعًا”.

التكامل بين الكتاب والسنة:

من المستحيل وجود تعارض بين أوامر الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم وبين أوامر النبي صلى الله عليه وسلم في السُنَّة الصحيحة، لأن الله أمرنا بطاعته سبحانه، وأمرنا كذلك بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]، وقد جاءت السنة النبوية لتبين مجمل الكتاب، وتوضح ما اشتمل عليه من الأوامر، ولو ادَّعى أحد وجود تعارض بين الكتاب والسنة، لاستلزم الأمر أن الله عزّ وجل قد أمرنا بالشيء ونقيضه، وهذا يستحيل في الشرع الذي أنزله الله تعالى العليم الحكيم، وما كان من تعارض في الظاهر بين الكتاب والسنة فقد أزال العلماء هذا التعارض بالجمع بينهما، أو بثبوت النسخ، أو حمل المطلق على المقيد، أو العام على الخاص، أو ضعف الحديث وعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الشافعي: “على أهل العلم طلب الدلالة من كتاب الله، فما لم يجدوه نصّا في كتاب الله، طلبوه في سنة رسول الله، فإن وجدوه فما قبلوا عن رسول الله فعن الله قبلوه، بما افترض من طاعته”.

شبهة: الاستغناء بالقرآن عن السنة:
لا يمكن الاستغناء بالقرآن الكريم عن سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم بحال من الأحوال، بل لا يمكن أن يُفهم الكتاب بمعزل عن السُنَة، وأي دعوة لفصل أحدهما عن الآخر إنما هي دعوة ضلال وانحراف، وهي في الحقيقة دعوة إلى هدم الدين، وتقويض أركانه والقضاء عليه من أساسه، واعتقاد البعض أن القرآن يكفيهم ضلال، ورد للقرآن الذي أمرنا صراحة بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر ونهى، قال تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} [الحشر:7].
عصمة النبي صلى الله عليه وسلم:
لم يُفَّرق ربنا عز وجل بين طاعته سبحانه وبين طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، بل جعل طاعة نبيه طاعة له سبحانه، فقال تعالى(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ..} [النساء:80]، وغالب الآيات القرآنية قرنت بين طاعته سبحانه وطاعة نبيه، وما سنَّه الرسول صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص من كتاب الله فإنما سنَّه بأمر الله ووحيه.

قال الشافعي: “وما سنَّ رسول الله فيما ليس لله فيه حكم، فبحكم الله سنَّه”.
فالرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من أن يصدر عنه ما يخالف القرآن الكريم، وقد دلت الآية الكريمة: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} [الحشر:7]، دلالة مباشرة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أقواله وأفعاله، وكل ما أمر به، أو نهى عنه، ووجه ذلك أن من وجبت طاعته طاعة مطلقة بلا قيد ولا شرط وجب أن يكون معصومًا، وما كان الله ليأمرنا أمرًا مطلقًا باتباع كل ما جاء بالسُنَّة النبوية، إلا لعلمه سبحانه بعصمة صاحب هذه السُنة صلوات الله وسلامه عليه، في جَدِّه وضحكه، ورضاه وغضبه، وصحته ومرضه، وفي حلّه وترحاله، قال الله تعالى(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3-4].

الموقف من أعداء السنة:
ا- كشف أمرهم وفضحهم.
2- العناية بالسنة والاهتمام بنشرها.
3- تربية الأمة على احترام الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره.
4- الاحتساب على كل متنقصي الرسول صلى الله عليه وسلم أو طاعن في السنة وعدم التساهل معهم.

5- الدعوةإلى تطبيق السنة في حياة الأمة أفراداً وأسراً ومجتمعاتٍ ودولاً.
قال الإمام أحمد رحمه الله: إذا لم نقر بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم رددنا على الله أمره.

والحمد لله أنه لا تخلو الأمة في كل عصر-ومنه عصرنا هذا- ممن يدافع عن السنة وينشر مخطوطاتها، ويعمل على خدمتها جمعاً وتحقيقاً وتخريجاً وشرحاً ورداً على خصومها وفضحاً لهم.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المعظمين لرسولنا صلى الله عليه وسلم وسنته، المتبعين لها، وأن يسقينا من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدًا..
(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s