“القدس” عقيدة تتحقق بالرباط والجهاد

القدس--عقيدة-تتحقق-بالرباط-والجهاد

بقلم: فضيلة الشيخ هاشم منقارة “رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي ، عضو جبهة العمل الإسلامي واتحاد علماء بلاد الشام”

بسم الله الرحمن ارحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

قال الحق سبحانه في سورة (بني إسرائيل) الإسراء :

(وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا )(8).

القدس كشاهد على العصر دلالة واضحة على واقع النظام العالمي السائد ومؤشر لحال الأمتين العربية والإسلامية،فإذا كانت القدس محتلة فهذا يعني سيادة منطق حق القوة والفساد والطغيان والجبروت وأن العولمة السائدة بقيادة واشنطن تقول ان النظام العالمي يسوده التعدي والإجرام والقهر وهو في أسوء حالاته ، وأن العرب والمسلمين بأسهم بينهم شديد مشتتين وفي أوهن أيامهم يحكمهم الطغيان والفساد الأخلاقي والمادي ، وإذا ما تحررت القدس فهذا يعني الإستبشار بنظام عالمي جديد يقوم على عدالة قوة الحق وأن العرب والمسلمين بألف خير.

“القدس الشريف “ أولى القبلتين وثالث الحرمين في الرؤية الإسلامية ليست مجرد أرض محتلة، ومدينة مغتصبة،وإنما هي مع ذلك و فوقه و قبله و بعده جزء من العقيدة الإسلامية ، فضلاً عن الحضارة والتاريخ ، عقيدة الرباط بين القبلة الخاتمة والقبلة السابقة ، وهي عقيدة لا تتحقق إلا بالرباط و الجهاد.

ربط القرآن الكريم بينها وبين الحرم المكي عندما تحدث عن معجزة الإسراء والمعراج: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].

لقد تجلت هذه المكانة المقدسة للحرم القدسي الشريف منذ بدأ تاريخها الإسلامي،سنة 15هـ/ 636م، عندما انزلها المسلمون منزلة“الحرم” الذي لا يجوز فيه القتال وإسالة الدماء .. القدس الشريف حرص المسلمون على فتحه سلمًا وصلحًا ودون قتال ولا إسالة دماء .. وجاء فتسلم مفاتيحه ، وعقد لأهله ميثاق الأمان و حقوق الإنسان المدنية و الدينية، الراشد الثاني الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه (40.هـ). ولقد سار على هذه السُّنَّة الإسلامية صلاح الدين الأيوبي (532- 589هـ/ 1137- 1193م) عندما استرد هذه المدينة المقدسة من الصليبيين (583هـ- 1183م)، بعدما يقرب من تسعين عامًا احتكروها فيها، وغيَّروا معالمها الدينية، وحولوا المسجد الأقصى الشريف إلى إصطبل خيل ومخزن سلاح وكنيسة كاثوليكية لاتينية، و ذلك بعد أن أبادوا سكانها في مجزرة دامت أسبوعًا .

القدس الشريف على مر العصور والأزمنة،مركز الصراع بين وجهتين:يريدها الإسلام عقدياً قوة جذب ونقطة تقاطع بين الديانات التوحيدية فيما الآخرون يعملون ويريدونها نقطة تيار طرد ونقطة تعارض فالإسلام يعترف باليهودية والمسيحية والعكس غير صحيح وهذا ما يؤهلة بالدور الحضاري الممكن لإدارة القدس الشريف مع التفريق تاريخياً بين الكنيستين الشرقية و الغربية .

القدس مدينة قديمة قدم التاريخ، وبداية وجودها مرتبط بالمسجد الأقصى الذي بني بعد المسجد الحرام ب ـ 40 عاماً، وقد كانت أولى الهجرات العربية الكنعانية إلى شمال شبه الجزيرة العربية قبل الميلاد بنحو ثلاثة آلاف عام، واستقرّت على الضفة الغربية لنهر الأردن، ووصل امتدادها إلى البحر المتوسط، وسميت الأرض من النهر إلى البحر، بـ”أرض كنعان”، وأنشأ هؤلاء الكنعانيون مدينة (أورسالم)

إنّ الوجود اليهوديّ في فلسطين عموماً والقدس خصوصاً لم يكنْ إلا وجوداً طارئاً وفي فترة محدودة جدّاً من تاريخ القدس الطويل .

بدأت مرحلة الفتح الإسلامي للمدينة المقدّسة عندما أسري بالنبي محمد صلى الله عليه وسلّم ،حيث تجلّى الرابط الأول والمعنوي بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام في معجزة الإسراء و المعراج، ثم أتى الرابط المادّي أيام الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث دخل الخليفة عمر مدينة القدس سنة 636/ ه15هـ (أو638م على اختلاف في المصادر) بعد أنْ انتصر الجيش الإسلامي بقيادة أبي عبيدة عامر بن الجراح، واشترط البطريرك صفرونيوس أنْ يتسلّم عمر المدينة بنفسه فكتب معهم “العهدة العمرية” وبقي اسم المدينة في ذلك الوقت (إيلياء) حتى تغير إلى (القدس) في زمن العباسيين حيث ظهرت أول عملة عباسية في عهد المأمون تحمل اسم (القدس) واتخذت المدينة منذ ذلك الحين طابعها الإسلامي
سقطت القدس في أيدي الفرنجة خمسة قرون من الحكم الإسلامي نتيجة صراعات على السلطة بين السلاجقة والفاطميين وبين السلاجقة أنفسهم .

إستطاع صلاح الدين الأيوبي استرداد القدس من الفرنجة عام 1187م بعد معركة حطين، وعامل أهلها معاملة طيبة،

ثم اتجه صلاح الدين لتقديم أعظم هدية للمسجد ، وكانت تلك الهدية هي المنبر الذي كان “نور الدين محمود بن زنكي” قد أعده في حلب ، وكان هذا المنبر آيةً في الفن والروعة، ويعدّه الباحثون تحفة أثرية رائعة. ولكن الفرنجة نجحوا في السيطرة على المدينة بعد وفاة صلاح الدين في عهد الملك فريدريك ملك صقلية، وظلّت بأيدي الفرنجة 11 عاماً إلى أنْ استردّها نهائياً الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 1244م .

وتعرّضت المدينة للغزوالمغولي عام 1243/1244م ، لكن المماليك هزموهم بقيادة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس في معركة عين جالوت عام 1259م، وضمّت فلسطين بما فيها القدس إلى المماليك الذين حكموا مصر والشام بعد الدولة الأيوبية حتى عام 1517م .

دخل العثمانيون القدس بتاريخ 28 ديسمبر 1516م (الرابع من ذي الحجة 922هـ وأصبحت القدس مدينة تابعة للخلافة العثمانية وظلت في أيديهم أربعة قرون تقريبًا وحفظوها بسور القدس الذي نعرفه اليوم والذي بني في عهد السلطان سليمان القانوني .

سقطت القدس بيد الجيش البريطاني في 8-9/12/1917م بعد البيان الذي أذاعه الجنرال البريطاني اللنبي، ومنحت عصبة الأمم بريطانيا حق الإنتداب على فلسطين، وأصبحت القدس عاصمة فلسطين تحت الإنتداب البريطاني (1920-1948م

أعلنت بريطانيا اعتزامها الإنسحاب من فلسطين يوم 14 أيار/مايو1948، وبحلول هذا التاريخ أعلن من يُسمّى بمُخلّص الدولة المؤقت”الإسرائيلي” عن قيام “دولة إسرائيل” الأمر الذي أعقبه دخول وحدات من الجيوش العربية للقتال إلى جانب سكان فلسطين، حيث أسفرت الحرب عن وقوع غربي مدينة القدس بالإضافة إلى مناطق أخرى تقارب أربعة أخماس فلسطين تحت سيطرة الإحتلال الصهيوني.

مع إندلاع حرب حزيران 1967 أتيحت الفرصة الملائمة لدولة الإحتلال إحتلال بقية المدينة، ففي صبيحة السابع من حزيران/يونيو1967 بادر مناحيم بيغين لإقتحام المدينة القديمة، حيث تم الإستيلاء عليها بعد ظهر اليوم نفسه وعلى الفور أقيمت إدارة عسكرية للضفة الغربية وقام جيش الإحتلال بتنظيم وحدات الحكم العسكري لإدارة المناطق التي تحتلها دولة الإحتلال في حالة نشوب حرب.

شكّلت مدينة القدس عنوان المقاومة الفلسطينيّة واللبنانية هذه الأيّام، خصوصاً مع مشاريع التسوية التي أعقبت اتفاقات أوسلو عام 1994م. وكانت زيارة نائب رئيس وزراء الإحتلال الصهيونيّ السابق آرئييل شارون وإنطلاقة انتفاضة الأقصى إثر ذلك إثباتاً على عنوان المرحلة المقبلة للمقاومة وما تبعها من إنتفاضات ومعارك بين المقاومة الفلسطينية في غزة وجيش الإحتلال وبين المقاومة في لبنان بين الجيش الصهيوني الذي خرج بشكل مذل العام 2000 وتبعه إنتصار لبنان العام 2006 في حرب تموز الشهيرة،هذا المسار يوضح أهمية المقاومة وخطورة الإستهدافات التي تتعرض لها .

وفي المقابل تبذل السلطات اليهودية أقصى الجهد لطمس المعالم الإسلامية بالقدس رغبةً في تهويدها، فهي تعزلها عن باقي المناطق المحتلة، وتمنع الفلسطينيين من دخولها، وتدفع لها بعض اليهود، وتقيم بها أبنية على نسقٍ مغاير للملامح العربية والإسلامية، وتُحدِث بالمدينة بعض الأعمال التي من شأنها تغيير مكانة القدس سياسيّاً وديموغرافيّاً، كزرع المستوطنات والتضييق على سكان المدينة من العرب حتى يلجؤوا للهجرة. وستظل المعارك دائرة بين المسلمين واليهود إلى أنْ يتم تحرير الأقصى الشريف و فلسطين المحتلة .

وإذا كانت ذاكرة الأمة قد ظلت داعية بمكانة القدس في هذا الصراع التاريخي المتعدد المراحل والحلقات .. فإن مهمة ثقافتنا المعاصرة هي الإبقاء على ذاكرة الأمة على وعيها الكامل بمكانة القدس حتى يطلع الفجر الجديد ، فالقدس هي رمز الصراع .. وبوابة الإنتصار .. و فى كل مراحل هذا الصراع ، تشابكت العلاقات بين”المصالح” و بين “العقائد والأيديولوجيات”وإذا كان القرآن الكريم قد جعل الرباط بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام آية من آيات الله.. فكان تحرير القدس وفلسطين دينا وجهادا يحقق المصالح لكل أصحاب الديانات والمقدسات .. فلقد كانت أساطير الصليبية والصهيونية العقيدة القتالية للغزو .. ولإعادة اختطاف الشرق من التحرير الذى أنجزه الإسلام .. ولكشف جذور هذا الصراع وحتى لا نفرط فى سلاح الجهاد وطاقاته، بينما يتسلح الأعداء حتى بالأساطير – فإن الأمة معنية بتقديم الفقه والوعى الوحدوي المقاوم بأبعاد هذا الصراع .

إن “إسرائيل” ليست دولة حتى يكون لها عاصمة، وإن قرار “ترامب “الخاص بنقل السفارة الأمريكية للقدس والإعتراف بها عاصمة للكيان الصهيونى قرار هو و العدم سواء لأنه صدر من شخص لا يملك لأخر لا يستحق .

إن الأوضاع التى تمر بها المنطقة العربية حاليا هى السبب المباشر والصريح فى اتخاذ هذا القرار فى التوقيت الحالى، وبصدور هذا القرار اتضح جليا من الدولة التى ترعى الإرهاب وتخطط وتنظم و من مصلحتها أن تستمر الأوضاع مشتعلة فى منطقة الشرق الأوسط .

وإنه لا سبيل أمام أمتنا لتبديد أساطير المسيحية الصهيونية والعنصرية اليهودية إلا بالجهاد ، الذي هو“رهبانية ” أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، فكيف لبعض الأعراب أن يبحثو في مسارات الإستسلام وينعتوا أصحابه بالارهابيين،وما من عربي أو مسلم او أي احد في هذا العالم إبتعد عن فلسطين أو تواطئ و تآمر إلا وأزله الله وكانت عاقبته وخيمة و ما من أحد رفع راية القدس وفلسطين إلا اعزه الله بإحدى الحسنيين ، ونحن نشاهد بطولات أهلنا في فلسطين من رجال ونساء وشباناً وشابات وأطفال وجرحى وصمود أسرى ومعتقلين بل حتى أصحاب الحاجات الخاصة على سبيل العد لا الحصر أمثال إبراهيم أبو ثريا “قعيد” فلسطيني قاوم الجيش الإسرائيلي بنصف جسد ، 29 عاما ، والذي اشتهر بمقاومته الإحتلال الإسرائيلي رغم بتر قدميه في مواجهات سابقة ، قتل برصاص الجيش الإسرائيلي خلال مواجهات شرق مدينة غزة.

وأصر الشاب الفلسطيني على المشاركة في المظاهرات والمقاومة ضد الجيش الإسرائيلي رغم أنه مبتور القدمين نتيجة لمواجهات سابقة.

وظهر إبراهيم أبو ثريا على خطوط التماس مع القوات الإسرائيلية مع غيره من المتظاهرين، وأكد إبراهيم أبو ثريا قبل استشهاده أمام موقع ناحل عوز العسكري، شرق حي الشجاعية، أنه يرغب في أن يوصل رسالة للجنود الإسرائيلين قائلا : “هذه الأرض أرضنا ولن نستسلم”، مضيفا أنه على الولايات المتحدة سحب قرارها القاضي بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل.
والله إن الأمة لتخجل أمام بطولات أبو ثريا و أمثاله … من ملوكها ورؤسائها وأمرائها وتيجانيها ونياشينها الطاووسية وعلمائها ونخبها المنبطحة والمتزلفة للطواغيت والسلطان المفرط بالمقدسات ومصالح الأمة .

“إن البروتستانتية أدخلت إلى صميم العقيدة المسيحية ثلاثة مبادئ – هي ثلاث أساطير – دمجت البعد اليهودي في البعد النصراني إزاء قضية القدس وفلسطين .. وهذه المبادئ ” الأساطير” هي:

أولا: أن اليهود هم أبناء الله وشعبه المختار.

ثانيا: أن ثمة ميثاقا إلهيا يربط اليهود بالأرض المقدسة في فلسطين.

ثالثا: ربط الإيمان المسيحي بعودة المسيح بقيام “دولة صهيون”.

أن هذه المبادئ- الأساطير هي التي أثمرت تيار “المسيحية – الصهيونية” في الحضارة الغربية ، وهو التيار الذي استغلته الحركة الصهيونية في شراكتها مع الإمبريالية الغربية
“هذا التيار” المسيحية- الصهيونية” مهد لقرار ترامب الأخير بشأن القدس وقال عنه بنيامين نتنياهو عندما كان سفيرا للكيان الصهيوني في الأمم المتحدة في خطابه أمام الجمعية العامة في فبراير سنة 1985 “إن كتابات المسيحيين الصهيونيين من الانجليز والأمريكان أثرت بصورة مباشرة على تفكير قادة تاريخيين مثل “لويد جورج 1863- 1945″وأرثر بلفور 1848- 1930 وودرو ولسون 1856 – 1924″ في مطلع القرن العشرين،ونحن نقول توجها ترامب بقراره الأرعن على أعين انقسام وعجز عربي وإسلامي.

إدعاء الصهيونية أن علاقتها بالقدس تعود إلى ثلاثة آلاف عام، عندما غزا الملك داود هذه المدينة في القرن العاشر قبل الميلاد. ويتناسى الصهاينة حقيقة أن القدس قد بناها العرب اليبوسيون في الألف الرابعة قبل الميلاد أي أن عمر عروبتها يزيد الآن على ستة آلاف عام، وأن الوجود العربي في هذه المدينة قد ظل متصلا عبر هذا التاريخ.

أما ثاني هذه المزاعم، فيتمثل في إختلاق الصهيونية أن الرب قد وعد إبراهيم عليه السلام وذريته بأرض الميعاد، وأن اليهود هم ورثة هذا الوعد الإلهي. ويتناسى الصهاينة أن القدس عربية قبل دخول إبراهيم إلى أرض كنعان بأكثر من عشرين قرنا، وأن كتابهم (العهد القديم) يقول: إن هذه الأرض كانت أرض “غربة إبراهيم”. أي أنه قد عاش فيها غريبا، وليس مالكا لها، كما يقول كتابهم: “إن إبراهيم في أواخر حياته قد اشترى من أهل هذه الأرض (العرب الكنعانيين) قبرا يدفن فيه زوجته (سارة) (سفر التكوين 23:1 ـ 20)، أي أنه حتى أواخر حياته لم يكن يملك في هذه الأرض شيئا حتى مكان قبر!

ويتناسى الصهاينة كذلك أن نصوص هذا “الوعد” في كتابهم ينقض بعضها بعضا.. فالوعد مرة بأرض كنعان (سفر التكوين 17: 3، 5، 8)، ومرة بالمساحة التي تبصرها عيون إبراهيم (التكوين 13: 14، 15)، ومرة بما بين النيل والفرات (التكوين 35: 12)، وهذه التناقضات تنسف هذا الادعاء من الأساس.

وإلى جانب ذلك فإن سعي الصهاينة إلى تهويد القدس ، وهدم المسجد الأقصى يدفعهم للحديث عن إعادة بناء المعبد (الهيكل) الذي بناه سليمان عليه السلام للرب في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو المعبد الذي يريدون إقامته على أنقاض الحرم القدسي المبارك!

وفي تفنيد هذا الإدعاء أنه منذ إحتلال الصهاينة للقدس سنة 1967 وهم يقلبون باطن الأرض بالحفريات والأنفاق تحت الحرم القدسي وحوله ولم يجدوا حجرا واحدا يُثبت أنه قد كان في هذا المكان معبد يهودي في يوم من الأيام

تلك بعض الأكاذيب التي يروجها الصهاينة عبر الإعلام، ويخدعون بها ضحاياهم، وذلك حتى يقع في حبائلها الجهلاء. فإن المنهج الإسلامي يُعلمنا مجابهة الأكاذيب بالحقائق.

القدس قضية كل مسلم،المؤسف وصلت الخيانة بعدد من حكام العرب والمسلمين إلى التعاون مع “إسرائيل” فيما تقوم به،بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشريف، وهو ما يعد إعترافاً رسميا بأن القدس عاصمة إسرائيلية، ويعرض القدس للخطر، لم نجد بدا من أن نذكر الناس بأن قضية القدس ليست خاصة بمسلمي فلسطين فقط، بل هي قضية كل مسلم، وقضية كل حر،وامام الوهن العربي والإسلامي الرسمي تجاه هذا القرار صدر موقف امريكي آخر مستهذء بكل الإدانات حتى الدولية منها يعتبر ان حائط البراك هو ايضاً تابع لما باتو يسمونه الدولة اليهودية.

محاولات إسرائيلية التي لا تنتهي من تهويد القدس جهارا، على مسمع ومرأة من العالم كله، ولا يقابل ذلك إلا بالعجز العربي، والوهن الإسلامي، والتفرد الأمريكي، والغياب العالمي. فالواقع الفلسطيني ممثلا في سلطته ومن معهم، لا تجد له رد فعل حقيقي، بل وهن نتج عن مشاركتهم سنوات فيما سمي زعما بمؤتمرات السلام، ومعاهدات السلام، ولم تجن منه فلسطين شيئا، والعجز العربي المتمثل في جامعة الدول العربية وكذا منظمة المؤتمر الإسلامي التي تم اخضاعها وتدجينها منذ امد بعد .

لا توجد حرب بيننا وبين أحد لعلة كفره، بل العلة هنا الاعتداء، فقد عاش اليهود مع المسلمين وفي ظل حضارتهم وتسامحهم قرونا عديدة، منذ وجودهم في المدينة المنورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، وحتى في الخلافة الأموية والعباسية، والأندلسية، والعثمانية، كانت أوضاع اليهود في ظل الحكم الإسلامي أفضل حالا من وجودهم في ظل أي حكم آخر، ولأن القرآن عندما أمر بالقتال فقال: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة: 190، وقال عمن عاش بيننا ولم يقاتلنا وكان مسالما: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة: 8، وقد عاش اليهود بين المسلمين، ونال كثير منهم حظوة حتى وصلوا لمناصب لم يصل إليها مسلمون.

ولكن اليهود قلبوا للمسلمين ظهر المجن، واعتدوا عليهم، وتآمروا ودخلوا فلسطين بالعصابات والإجرام، وانتهكوا حرمات المسلمين، في مجازر لا حصر لها، قامت بها عصابات الهاجاناة وتشيرنو، وغيرهما، ولذا كان العداء لعلة الاعتداء، وليس لعلة الخلاف الديني.

ينبغي معرفة العدو الصهيوني، معرفة حقيقية، لنحسن إدارة المعركة معه، وهناك مصادر تعرفنا به، وأولها القرآن الكريم، الذي فصل لنا كثيرا في طبيعتهم، وطبيعة غدرهم وعدوانهم.

وكذلك الواقع المعاش يخبرنا عن طبائعهم وسياستهم، فنحن نراه رأي العين ليل نهار، من اعتداء ووحشية، وانتهاك للمقدسات، وسطو على بيوت الفلسطينيين ومصادرتها بدون وجه حق، وتملك المستوطنين لها بغيا وظلما وعدوانا، كل هذه مصادر موجودة ينبغي علينا أن نطيل القراءة فيها لنحسن التعامل مع هذا العدو، لنحسن كسب معاركنا معه.”.

امام هذا الواقع جاءت دعوة امين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصر الله الى التئام المقاومين في زمانها ومكانها الصحيحين عندما قال” لقد تمت الحجة اليوم بعد قرار ترامب وسلوك الإدارة الأميركية على كل الذين يراهنون على تدخل أميركي لمصلحة فلسطين أو الشعوب بوجه “إسرائيل” والحجة على كل الذي سلكوا طريق المفاوضات العقيم”.

مضيفاً “آن الأوان ليعرف الجميع أن أميركا ليست راعية السلام، اميركا راعية الإرهاب والإحتلال والتدمير والفتن صانعة داعش والجماعات التكفيرية ويجب ان يكون موقف الأمة الوحيد تلخصه كلمتان الموت لامريكا”.

ولفت السيد حسن نصرالله إلى أنّه “يجب العودة إلى عزل هذا الكيان بالكامل عبر الضغط الشعبي والمجالس النيابية والحكومات ومواقع التواصل والتظاهرات والضغط على الحكومات لقطع علاقات بعض الدول العربية والإسلامية مع “إسرائيل”.

متابعاً “يجب وقف كل أشكال الإتصال مع العدو وأي شكل من أشكال التطبيع وتفعيل عمل المقاطعة وأقول لأهلنا في فلسطين أي وفد ياتيكم مطبّعا اطردوه”.

وأردف نصرالله “ادعو إلى التئام شمل المقاومين جميعا ولملمة الصفوف وتضميد الجراح وأدعو جميع فصائل المقاومة في المنطقة وكل الذين يؤمنون بالمقاومة للتواصل والتلاقي لوضع إستراتيجية موحدة للمواجهة وخطة ميدانية وعملانية متكاملة تتوزع فيها الأدوار في هذه المواجهة”.

كما هو إعلان استعداد الجمهورية الإسلامية في ايران للتعاون بشأن القدس مع الجميع ودون شروط انهما الموقف الحقيقي المعبر عن إرادة كل عربي ومسلم وحر في هذا العالم تجاه القدس وفلسطين إن بقية العرب والمسلمين لم يعودوا يمتلكون ترف التفكير ملياً بعدم تبني خيار الوحدة والمقاومة لأن المعركة بين أمتنا والصهيونية العالمية بلغت مبلغاً خطيراً ومتقدماً لا مجال فيه للتردد وانصاف المواقف والحلول وعليه لا بد من المبادرة السريعة للإستجابة للدعوات المقاومة الصادقة والمباشرة بجملة خطوات تمكن الأهل في فلسطين من الصمود وصولاً إلى التحرير الكامل برفد عربي وإسلامي فاعل.

أولها: التركيز على ثورة المساجد، والتي انطلقت من أرض فلسطين، وعلينا أن نشعل جذوتها دائما، ونبقي عليها، ونمدها بكل مصادر القوة، واليوم بعد إعلان ترامب نقل السفارة الأمريكية للقدس، أصبحت حاجتنا لذلك أقوى وأشد.

وثانيا: علينا ألا ننزع إسلامية القضية عنها، ففلسطين ليست ملكا للفلسطينيين وحدهم، ولا للعرب فقط، بل هي قضية تهم كل مسلم، وإذا كانت “إسرائيل” نفسها اسم ديني (وهو اسم سيدنا يعقوب)، ويدخلون معاركهم بالتوراة والتلمود، وينصون على يهودية الدولة، فكيف نخجل من إسلامية نضالنا؟!

ثالثا: تفعيل المقاطعة الإقتصادية للكيان الصهيوني وداعميه، فإن الإنسان بطبيعته يقاطع أي جهة تسيء إليه، فما بالنا بجهة تقتحم القدس كل فترة، وتحفر تحته حفريات وأنفاق بغية هدمه، ولا تتورع من قتل الشعب الفلسطيني، فأقل واجب على المسلم وجوب مقاطعة الكيان الصهيوني اقتصاديا.

رابعا: وحدة المسلمين، وأن يعلي المسلمون المصلحة العامة للقدس على خلافاتهم الشخصية، فلن ننتصر ونحن ننتازع ونتشظى ونتحول إلى فرق وزعامات وصراعات لا نهاية لها، فعدونا يتوحد، ويوحد الدول الكبرى من حوله لتشد من عضده، بينما نحن ضعاف ولا نقوي صفنا بوحدته، فالواجب العمل على هذه الوحدة لمواجهة هذا العدوان.

وأكثر ما يراهن عليه أعداء القضية الفلسطينية، وفي مقدّمتهم تل أبيب وواشنطن وحلفاؤهم في المنطقة، هو أن يكون ما يجري الآن من ردود فعل على قرار الولايات المتحدة الإعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، في فلسطين المحتلة وعلى مستوى الوطن العربي والعالم، هو ردّ فعل آني موقت سيزول مع مرور الوقت

الأساس في إستمرار الحراك الجماهيري، هو إستمرار الحراك الفلسطيني، لأنه إذا لم يتحرك الفلسطينيون لن تتحرك الساحات الأخرى، سواء على مستوى الوطن العربي أو العالم.
فهذا يعني أنّ على الفلسطينيين والعرب والمسلمين ان يخوضوا مقاومتهم الشاملة وبكل الوسائل الممكنة ضد الحلف الصهيوني وفي كل الأماكن

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء “شدة ومحنة” حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك.. قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس″ رواه الإمام أحمد.

(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

بقلم: فضيلة الشيخ هاشم منقارة “رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي ، عضو جبهة العمل الإسلامي واتحاد علماء بلاد الشام”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s