الاسلام “دين ودولة”

الاسلام--دين-ودولة

من إعداد فضيلة الشيخ هاشم منقارة (رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي عضو جبهة العمل الإسلامي وإتحاد علماء بلاد الشام)

لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة (،دعوة مشبوهة لإقصاء الإسلام عن واقع الحياة)
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:

“إن الإسلام إذا تدخل في السياسة لم يعد إسلاماً”

يهال المسلم أن يسمع هذا التجديف وهو يصدر عن (قيادات سياسية ونخب ثقافية وإجتماعية) تعتبر نفسها ممثلة لطيف واسع من المسلمين وإن كان ذلك التمثيل بلبوس علماني وليبرالي وما شابه وشاكل،فإن كانت مثل هذة القيادات تعلم مضامين ما تفوهت به فتلك مصيبة وإن كانت لا تعلم فتلك مصيبة أكبر.

يقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. وهذا قول باطل وغير صحيح، والذين فعلوا ذلك يريدون أنْ يجعلوا لأنفسهم سلطة زمنية تخضع لأهوائهم ليفعلوا ما يريدون.
لقد تعمدوا عدم الارتباط بمنهج السماء في إدارة شئون الأرض، لأن منهج السماء يقيد حركتهم، ونسُوا أنه أيضاً يقيد حركة المحكومين لمصالحهم.

منهج الله شمل الحياة كلها، من قمة لا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن الطريق، ماذا يريدون من تعطيل شرع الله وعزله عن حركة الحياة، الحق سبحانه جعل العبادة لصالح الخلق، تنظم حركة حياتهم وتسعدهم.

ودائماً في هذه المسألة نذكر الحديث القدسى: ” يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلكى شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً “.

فكيف نُقصي دين الله عن حركة حياتنا، وقد تدخل في أبسط الأمور، ” فدخل رجل عاص الجنة لأنه سقى كلباً “ ” ودخلتْ امرأة النار في هرة حسبتها “ فما بالك بالإنسان الذي كرَّمه الله ؟

وورد فى الحديث القدسى: ” يا بن آدم، خلقتُك لعبادتي فلا تلعب “ يعني جدّ في حركة الحياة، لأن اللعب حركة بلا فائدة وبلا مغزى، والله يريد لحركة العباد أنْ تكون حركة نافعة ذات مغزى.

فلو أنك أخذت جانب العبادة وأهمها الصلاة مثلاً، ألستَ تحتاج لإقامة هذا الواجب إلى ستر العورة كيف؟ ثياب تلبسها، كيف تصل إليك هذه الثياب؟

تأمل من أول زراعة القطن إلى أنْ يصلك ثوب تلبسه، إنها رحلة طويلة من السعي والعمل والجد، يشترك فيها آلاف يخدمونك في هذه المسألة.

إذن: حركة الحياة ليست هي الصلاة فحسب، بل كل ما يعينني على أداء الصلاة وكل ما يعينني على أداء الزكاة والصوم والحج.

إذن: العبادة أمر شائع في كل حركة الحياة، فكيف نفصل الدين عن حركة الحياة كلها، فضلاً عن أنْ نفصله عن سياسة أمر الخَلْق وتدبير شئونهم؟
فصل الدين عن الدولة دعوة استعمارية مشبوهة

الغرب واذنابه يريدون اسلام منبطح يستفتي في منع الحمل ونواقض الوضؤ ولا يستفتي أبدا في اوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.الغرب يريد إحلال “إسلام انهزامي” محل الإسلام الحقيقي الوحدوي المقاوم الدين الذي جاء به رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلوات الله عليه .

واشنطن تريد مسلمين لسان حالهم ، لقد ذهبت الى أمريكا مسلما ، وعدت منها مؤمنا “!.

” ان الإسلام الذي يريده الغرب في الشرق ليس هو الإسلام الذي يقاوم الإستعمار، وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان ، ولكنه فقط الإسلام الذي يتناحر في الداخل، إنهم لا يريدون للاسلام أن يحكم، لأن الإسلام حين يحكم سينشئ الشعوب نشأة أخرى، وسيعلم الشعوب أن إعداد القوة فريضة ، وأن طرد المستعمر فريضة ، وأن الشيوعية كما الرأسمالية المتوحشة وباء كالاستعمار، فكلاهما عدو ، وكلاهما إعتداء ” .

الغرب يريد للشرق إسلاماً يجوز أن يُستفتى في منع الحمل، ويجوز أن يستفتى في دخول المرأة البرلمان، ويجوز أن يستفتى في نواقض الوضوء، ولكنه لا يستفتى أبدا في أوضاعنا الاجتماعية أو الاقتصادية أو نظامنا المالي ، ولا يستفتى أبدا في أوضاعنا السياسية والقومية وفيما يربطنا من صلات” .

إسلام أكد عليه الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه ” الفرصة السانحة ” عندما دعا الغرب من أمريكا الى روسيا الى الإتحاد في وجه الإسلاميين الذين :يريدون إسترجاع الحضارة الإسلامية السابقة عن طريق بعث الماضي، والذين يهدفون الى تطبيق الشريعة الإسلامية ، وينادون بأن الإسلام دين ودولة “

وهو نفس الإسلام الأمريكاني الذي تحدث عنه الأمريكي فوكاياما عام 2002 عندما قال :إن الإسلام هو الحضارة الرئيسية الوحيدة في العالم التي لديها بعض المشاكل مع الحداثة الغربية، فالعالم الإسلامي يولّد خلال الأعوام الأخيرة حركات أصولية لا ترفض السياسة الغربية فحسب ، وإنما ترفض أيضا المبدأ الأكثر أساسية للحداثة وهو العلمانية، وإن التطور الأهم ينبغي أن يأتي من داخل الإسلام نفسه ” بما يعني أبعاد الإسلام عن السياسة الحقيقية بما تعني من إدارة للشأن العام بالموارد المتاحة بما يحول دون الأزمات والمغامرات الغير محسوبة.

ترجع فكرة فصل الدين عن الدولة إلى العهود التي سيطرت فيها الكنيسة على الحياة المسيحية في في أوربا، واستعملت في سيطرتها أنواعا من الإضطهاد والتنكيل مدعية الحق الإلهي المزعوم، ذلك الحق الذي اتخذته سلاحا حادا لمناهضة الفكر والثقافة والمفاهيم العلمية الجديدة التي خالف مفاهيمها، وكان من الضروري أن يكون رد فعل، وأصبح الصراع دائر بين الكهانة والطبقة المعادية لها إلى أن تبلور هذا الصراع في صورة “فصل الدين عن الدولة”.

وانتقلت كل هذه الأفكار التي يقول عنها كتاب بروتوكولات حكماء صهيون (لقد رتبنا نجاح داروين وماركس ونيتشيه بالترويج لآرائهم، وأن الأثر الهدام للأخلاق الذي تنشئه علومهم في الفكر غير اليهودي واضح لنا بكل تأكيد إلى الوطن الإسلامي فأخذ المنبهرون بثقافة الغرب يدعون بحماس للعلمانية، ويجهرون بالطعن في المقدسات الإسلامية غير ناظرين للظروف التي عاشتها أوربا في ظل الطغيان الكنيسي، ولا لتباين البيئات، واختلاف الرؤية العقدية بيننا وبين المسيحيين المضطهدين، رغم ذلك تمادوا في الصياح، صياح من استولت عليه سورة من الصرع لا يدري ما يقول منادين بفصل الدين عن الدولة كما لو كانوا يحيون تحت رحمة الجبروت الكنسي.

ففكرة فصل الدين عن الدولة في الحقيقة نغمة شاذة عن طبيعة تصور الشريعة الإسلامية التي ترتكز على أرضية عقدية تؤطر المسلم إلى الكون في إطار متميز خاص، ذلك أن الإسلام منهج متكامل جاء معلنا للإنسان حياة جديدة رائعة تقوم على تصميم شامل لكل أنظمة الواقع البشري من سياسية واقتصادية وتعليمية وعسكرية، وكان من الضروري – والمنهج الإلهي يتميز بهذه الشمولية- إقامة حكومة إسلامية ترعى هذا المنهج رعاية تامة من عبث العابثين، وتحكمه في حياة الناس في كل جزئية من جزئياتها، لأنه لا يقبل التبعيض ولا يمكن أن يزهر ويقدم للبشر ثمراته المرجوة إلا إذا اكتملت أجزاؤه في التطبيق وترابطت ترابطا لا يقبل الانفصام.

لهذا كانت مهمة الخليفة في رأي الإسلام دينية ودنيوية، ولا يمكن حصرها في مجال ضيق، لأنه من المستحيل فصل هذا عن ذلك لأن النصوص القرآنية والسنة وسيرة الصحابة تقطع بخلاف ما يقوله العلمانيون ويتمثل ذلك في قوله تعالى، (وأن احكم بينهم بما أنزل الله إليك) وقوله تعالى (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) وقوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) وقوله تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل).

فما مدلول هذا الحكم بين الناس، أليس هو تطبيق منهج الله كاملا بين العباد في شؤونهم الدنيوية، إذ لا يتصور مفهوم الحكم في العقل إلا إذا اقترن بمفهومه الواقعي وهو الفصل في المنازعات المختلفة التي تحدث بين الأفراد في شتى المجالات الحياتية.

الإسلام دين ودولة رسم للإنسان صورة كاملة فريدة لحياته على وجه البسيطة لأنه دين الفطرة يساير تكوينها العضوي والنفسي، ولا يمنع أشكال الحياة من التطور والتغير في إطار أصالة هذه الفطرة التي فطر الله عليها الناس.

إذن كل ما قيل عن الإسلام افتراء من أعدائه الذين يريدون أن ينعزل عن الحياة، ويقبع في المساجد والزوايا للتبرك –على أحسن الفروض- حتى لا يستقطب بمنهجه الفريد الحياة العامة والخاصة للإنسان، لأن في ذلك خطرا داهما على مصالح محترفي الغزو الفكري والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الدين والسياسة و تحديد المفاهيم

الإسلام أوسع من كلمة الدين، إذ إن الدين جزء من الإسلام، وهو ضرورة من الضرورات الخمس التي جاء الإسلام لحفظها.

أما بالنسبة لكلمة السياسة لم ترد في القرآن مطلقا، لكننا نرد على من يتوهم أن عدم ورودها يعني عدم اهتمام الإسلام بالسياسة فنقول: ولا ريب أن هذا القول ضَرْب من المغالطة، فقد لا يوجد لفظ ما في القرآن الكريم، ولكن معناه ومضمونه مبثوث في القرآن،مثلا لذلك كلمة “العقيدة”، فهي لا توجد في القرآن ومع هذا مضمون العقيدة موجود في القرآن كله، ومثل ذلك كلمة “الفضيلة” فهي لا توجد في القرآن، ولكن القرآن مملوء من أوله إلى آخره بالحثِّ على الفضيلة، واجتناب الرذيلة.

ولتأكيد رسوخ مفهوم السياسة في الإسلام، ندلل على ذلك بوضوح هذا المفهوم عند معظم فقهاء الاسلام.

ضرورة الارتباط بين الدين والسياسة هي لأدلة شرعية وتاريخية منها: فكرة شمول الإسلام وتعاليمه، حيث إن الإسلام لم يدع جانبا من جوانب الحياة إلا تعهده بالتشريع والتوجيه.
“للإسلام موقف واضح وحكم صريح في كثير من الأمور التي تُعتبر من صلب السياسة, فالإسلام ليس عقيدة لاهوتية أو شعائر تعبُّدية فحسب، إنه عقيدة وعبادة وخلق وشريعة متكاملة”
ومنها: أن الإسلام يرفض تجزئة أحكامه وتعاليمه، وأخذ بعضها دون بعض. ومنها: أن الحياة وحدة لا تنقسم. فلا يمكن أن تصلح الحياة إذا تولى الإسلام جزءا منها كالمساجد والزوايا يحكمها ويوجهها، وتُركت جوانب الحياة الأخرى لمذاهب وضعية، وأفكار بشرية، وفلسفات أرضية، توجهها وتقودها.

أما العلمانيون: فأنهم يرون العلاقة بين الدِّين والسياسة علاقة تضاد وتصادم، وأن الدِّين شيء، والسياسة خصم له، وأنهما لا يلتقيان.

فمصدرهما مختلف، وطبيعتهما مختلفة، وغايتهما مختلفة. فالدِّين من الله، والسياسة من الإنسان. والدِّين نقاء واستقامة وطهر، والسياسة خبث والتواء وغدر.

والدين غايته الآخرة، والسياسة غايتها الدنيا. فينبغي أن يترك الدِّين لأهله، وتترك السياسة لأهلها. وإزاء هذه الشبه المثارة نقول:

“إن للإسلام موقفًا واضحًا، وحكمًا صريحًا في كثير من الأمور التي تُعتبر من صُلب السياسة. فالإسلام ليس عقيدة لاهوتية، أو شعائر تعبُّدية فحسب، إنه عقيدة، وعبادة، وخلق، وشريعة متكاملة”.

وبعبارة أخرى: هو منهاج كامل للحياة، بما سنَّ من تشريعات، تتَّصل بحياة الفرد والأسرة والمجتمع، وأُسس الدولة، وعلاقات العالم. ومن قرأ القرآن الكريم والسنة المطهرة وجد هذا واضحًا كل الوضوح.

حتى إن قسم العبادات من الفقه ليس بعيدًا عن السياسة، فالمسلمون مُجْمِعُون على أن ترك الصلاة، ومنع الزكاة، والمجاهرة بالفطر في رمضان، وإهمال فريضة الحج مما يوجب العقوبة، والتعزير.

الدين و السياسة

صدر كتاب للدكتور يوسف القرضاوي تحت عنوان “الدين والسياسة”، يتكون من مقدمة وخمسة أبواب،

أولا: أن من حق الإسلام أن تكون له دولة، لأن هذه هي طبيعة الدين، كما أن التاريخ الإسلامي يقر بهذا فلم يعرف التاريخ دينا بلا دولة ولا دولة بلا دين.

وثانيا: أن من حق الإسلاميين أن يكون لهم حزب سياسي، وهذا الحزب: لا يرخص له بتكوين حزبه إلا بعد أن يقدم برنامجه، ويحدد فيه رؤيته ورسالته، ويبين أهدافه ووسائله، ومناهجه في إصلاح المجتمع من نواحيه المختلفة (اقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية وسياسية وأخلاقية… إلخ).

فإذا كان في هذا البرنامج دعوى الحكم بالحق الإلهي على شاكلة داعش واخواتها: رفض طلبه. وأنه لا مانع من وجود حزب معارض للدولة الإسلامية لأن امير المؤمنين سيدنا على رضي الله عنه سمح لجماعة الخوارج المعارضين لحكمه بأن يكون لهم وجودهم الحزبي والسياسي، مع أفكارهم المعارضة، بشرط أن لا يبدؤوا المسلمين بقتال.

“حق الإسلام أن تكون له دولة، لأن هذه هي طبيعة الدين، كما أن التاريخ الإسلامي يقر بهذا فلم يعرف التاريخ دينا بلا دولة ولا دولة بلا دين”

وثالثا: أن دولة الإسلام دولة مدنية مرجعيتها الإسلام، ومعنى “مدنية الدولة” كما: أنها تقوم على أساس اختيار القوي الأمين، المؤهل للقيادة، الجامع لشروطها، يختاره بكل حرية: أهل الحل والعقد، كما تقوم على البيعة العامة من الأمة، وعلى وجوب الشورى بعد ذلك، ونزول الأمير أو الإمام على رأي الأمة، أو مجلس شوراها، كما تقوم كذلك على مسؤولية الحاكم أمام الأمة.
ورابعا: فدولة الإسلام دولة شورية تتوافق مع جوهر الديمقراطية،ما يعني الإسلاميين من الديمقراطية هو الجانب السياسي منها، وجوهره أن تختار الشعوب من يحكمها ويقود مسيرتها، ولا يفرض عليها حاكم يقودها رغم أنفها.

وخامسا: فهي دولة تحافظ على حقوق الأقليات الدينية، وسادسا: فهي دولة تهتم بحقوق الإنسان، وأنه لا يوجد دين كالإسلام عُني بالإنسان، وقرَّر أن الله كرمه، وأنه جعله في الأرض خليفة، وأنه سخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأنه خلقه في أحسن تقويم. كل هذا من كرامته على الله سبحانه.

كما أن الإسلام جعل حقوق الإنسان في معظم الأحيان فرائض وواجبات، إذ الحق يجوز للإنسان أن يتنازل عنه، أما الفرض والواجب اللازم، فلا يجوز فيه ذلك وخاصة حقوق الضعفاء لدى الأقوياء.

العلمانية مشكلة وليست هي الحل
أن العلمانية ليست حلا في مجتمعاتنا الإسلامية، كما يزعم العلمانيون، لأن العلمانية عندما قامت في الغرب كان ذلك لأسباب تاريخية، تتمثل في تحكُّم الكنيسة الغربية ورجالها في الدولة، وفي حياة الناس، وتسلطها عليهم في الأرض باسم السماء، وليس من حق أحد أن يحاسبهم أو ينتقدهم، فلهم من القداسة ما يحول دون ذلك.

. والعلمانية مصطلح نلح بشدة على تغييره والعدول عنه، لشدة غموضه أولا، ولاشتماله على إيحاءات غير صحيحة تتعلَّق بالتقابل والتناقض بين الدِّين والعلم.

لا يوجد شيئ اسمه علمانية اسلامية
“ليست هناك علمانية إسلامية” ولا أدري كيف تكون العلمانية إسلامية؟! هل يقبل أن نقول: الشيوعية الإسلامية؟!! أو اللادينية الإسلامية؟!

أن مصطلح “علمانية إسلامية” ليسا مقبولا أبدا: إن العلمانية معناها: فصل الدِّين عن الدولة، بل فصل الدِّين عن حياة المجتمع، بحيث يبقى المجتمع معزولا عن الدِّين وتوجيهاته وتشريعاته، فهذا هو مفهوم العلمانية المعروف عند الناس في الشرق والغرب. فكيف يكون هذا المفهوم إسلاميا؟

من الخير للمسلمين، ومن الخير للغربيين أن يكون هناك وجود إسلامي في الغرب، يتعامل الغربيون معه مباشرة دون وسيط.

ان مطالبتنا ترقى الى أن الحضور السياسي للأقليات المسلمة في بلاد الغرب لا بد منه وليس فقط رفض الفصل بين الدين والدولة في بلادنا، لأن السياسة أصبحت تتدخل في كل شيء، وإذا تركنا السياسة، فإن السياسة لا تتركنا.

من الخير أن يدخل الدِّين في السياسة فيوجهها إلى الحق، ويرشدها إلى الخير، ويهديها سواء السبيل، ويعصمها من الغرور بالقوة، والانحراف إلى الشهوات، ويمد أصحابها بالخشية من الله، ولا سيما أن السلطة تغري بالفساد، والقوة تغري بالفجور والطغيان.

ومن الخير كذلك أن تدخل السياسة في الدِّين، لا لتتخذه مطية تركبها، أو أداة تستغلها، ولكن لتجعله قوة هادية تضيء لها طريق العدل والشورى والتكافل، وقوة حافزة تبعثها لنصرة الحق، وفعل الخير والدعوة إليه، وقوة ضابطة تمنعها من اقتراف الشرور، والإعانة على الفجور.

يذهب المفكر الإسلامي د.محمود عمارة للقول:”هناك فرق بين “الرسالة” و”السياسة”، وبين “الدين” و”الدولة” فى إنجاز رسول الله صل الله عليه وسلم، فالرسالة التى هى “الدين”، قصدت فى جوهرها وأساسها إزالة العلل عن الأمة، فيما قصرت عنه العقول، فعجزت عن إدراكه، أما أحكام “الرسالة” وهدى “الدين”، فهو مما يدخل فى نطاق السياسة”، لأن الناس به ومعه يكونون أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد”.

والسياسة قسمين سياسة شرعية وأخرى غير شرعية، أما الـ”سياسة شرعية”، فهى التى تتسق مع مقاصد الشريعة الإلهية، “أى محققة العدل الذى أرسل الله رسله وأنزل كتبه لتحقيقه”، حتى وإن تضمنت الكثير مما “لم يشرعه الرسول ولا نزل به وحى”، لأن “السياسة” لا تقف عند معالم وأعيان أحكام الرسالة وأصول الدين، لأن نطاقها الأكبر وميدانها الأوسع، هو مما يخضع للتطوير والتغيير مما يتميز عن “ثوابت الدين” الذى أكمله الله، فتنزه عن التطور والتغيير.

أما القسم الثانى، فهو “السياسة المجافية للسياسة الشرعية”، إذا خالفت طريق العدل، وبالتالى تخرج من إطار “الرسالة” و”نطاق الدين”، وقال “إذن، فبين “الرسالة” و”السياسة” علاقات، وفروق، وبين “الدين” و”الدولة” عموم وخصوص، فكل “الرسالة” “سياسة”، وليس كل “السياسة” “دينا ورسالة”، والدين حدد الإطار والمقاصد التى تكون بها السياسة شرعية، حتى وإن كانت من إبداع البشر لا من وحى “الشرع”.

أن محمد صلى الله عليه وسلم، كان فى مكة يبلغ أحكام الدين عن الله إلى الناس، ولم يكن سائسا لدولة، ولا قائدا سياسية لمجتمع سياسى مستقل.

أن الإسلام فتح بختم طور النبوة، للإنسانية باب مرحلة التطور الحاسم، والتغير النوعى فى طبيعة السلطة السياسية للدولة الإسلامية، وفى طبيعة العلاقة بين “الرسالة والدين”، و”السياسة والدولة”، وأن رسول الله، نبه من خلال الأحاديث إلى أن لنظام الحكم فى الإسلام، طبيعة تخالف ما عرفه التاريخ القديم، والحضارات التى سبقت حضارة الإسلام.

أن الرسول نبه من خلال قوله “فما كان من أمر دينكم فإلىّ، وما كان من أمر دنياكم فشأنكم به، وأنتم أعلم بشئون دنياكم”، إلى أنه مع جمعه بين “الرسالة” و”السياسة”، قد تمايز فى إنجازه ما هو “رسالة” عن ما هو “سياسة”، وما هو “دين” عن ما هو “دولة”، بما يوضح اختلاف “الإسلام” عن “الكهانة” التى سادت عصور وحضارات أخرى، وأنه رغم هذا الهدى النبوى، قلد نفر من المسلمين من سبقوهم، وجعلوا السياسة دينا خالصا، وأوجبوا للإمام عصمة الأنبياء.

“كما ابتلى تراثنا القديم، بآفة تقليد “الكهانة القديم”، ابتلى عصرنا الحديث بآفة تقليد “العلمانية الأوروبية”، وغفل الفريقان “القائلون أن دولة الإسلام، هى دين خالص، والقائلون إن الإسلام دين لا علاقة له بالدولة”، عن أن للإسلام نهج متميز، يرفض “الكهانة” و”وحدة الدين والدولة” و”الرسالة السياسية” و”السلطة الدينية” و”الدولة الدينية” و”الحكم بالحق الإلهى”، ويرفض فى الوقت ذاته، نقيض هذه الكهانة، “العلمانية” التى تفصل “الدين” عن “الدولة”، وتدع ما لقيصر لقصير وما لله لله.

أن النهج الإسلامى يتميز بالوسطية، التى لا تعنى رفض النقيضين، لكى تقف بينهما على مسافة متساوية بينهما وبين كل منهما، كما هو شأن “الوسطية الأرسطية”، فهى وسطية “العدل” بين ظلمين، و”الحق” بين الباطلين، و”الاعتدال” بين التطرفين، والتى تجمع بين الرسالة والسياسة، وبين الدين والدولة، دون أن تبلغ هذه العلاقة حد الاندماج والوحدة، كما فى الكهانة والدولة الدينة، ودون أن تتدنى وترق إلى حد الانفصال، كما هو الحال فى العلمانية، وقال “هى إذن الوسطية التى تدعو إلى “الدولة الإسلامية”، و”السياسة الإسلامية” فى الوقت الذى ترفض فيه “الدولة الدينية”، رفضها للعلمانية.

أن كل تيارات الفكر الإسلامى وأعلام علمائها يجمعون على أن الدولة ليست “ركنا” ولا “أصلا” من أركان “الدين”، وأصوله، وهى كذلك ليست ركنا من أركان “الإيمان الستة” وهى الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر”، ولا ركنا من أركان “الإحسان”، والتى يجمعها “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

أنه لم يقل أحد من هؤلاء الأعلام، إن الوحى القرآنى، قد فصّل للدولة الإسلامية نظاما، ولا أن الله أوجب على رسوله فى القرآن إقامة “الدولة”، مثل وجوب “أركان الإسلام وفرائض الدين وأصول الاعتقاد، مشيرا أن “الدين” هو “وضع إلهى”، وهو الرسالة الخاتمة التى اكتلمت أركانه وعقائده وأصوله وشريعته فى القرآن الكريم، الذى لم تشتمل آياته على نظام الحكم، ولا تشريع للدولة، ولا تفصيل للحكومة التى يزكيها كى تسوس مجتمع الإسلام.

“القرآن الكريم الذى لم يفرض على المسلمين إقامة “الدولة”، فرض عليهم، من الواجبات الدينية ما يستحيل عليهم القيام بها والوفاء بحقوقه إذا هم لم يقيموا “دولة” الإسلام، مثل “جمع الزكاة، والقصاص، وتنظيم فريضة الشورى الإسلامية فى أمر المسلمين، ورعاية المصالح الإسلامية بما يجلب النفع، ويمنع الضرر، وفريضة العلم”، لافتا إلى أن القرآن وضع فى سورة النساء “الآيتين 58 و59″، ما يوجب على ولاة أمر المسلمين أداء الأمانات إلى المحكومين، وأوجب على الرعية طاعة أولى الأمر الذين ينهضون بأداء الأمانات.

فعلاقة “السياسة” بـ”الدين”، فى نهج الإسلام، “واجب مدنى” اقتضاه، ويقتضيه “الواجب الدينى” الذى فرضه الله على المؤمنين بالإسلام ” أن المسلمين مع اتفاقهم على ضرورة “الدولة” ووجوبها، فإنهم اتفقوا، على أنها من الفروع، وليس من أصول العقائد ولا من أركان الدين، لأنها واجب مدنى اقتضاه ويقتضيه الواجب الدينى، المشتمل على تحقيق الخير للإنسان فى هذه الحياة.

أن موقف امير المؤمنين أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قتال القبائل التى بقيت على إسلامها، بعد وفاة الرسول، لكنها منعت تسليم زكاة أموالها إليه، كخليفة للدولة الإسلامية، نموذجا جيدا يعبر عن طبيعة العلاقة بين “الدين” و”الدولة”، فالذى رفضه هذه القبائل، وارتدت عنه لم يكن “دين” الإسلام، وإنما ميزوا أموال الزكاة، ومنعوا تسليمها للدولة الجديدة، وكانوا فى هذا الموقف “مرتدين عن وحدة الدولة”، رغم إيمانهم بالتوحيد الدينى الذى جاء به الإسلام.

أن دولة الخلافة التى حماها الصحابة ودعموها بقتالهم للمرتدين، رغم طابعها المدنى، وانتفاء صفة “الواجب الدينى والفريضة الدينية”، عنها، كان وجودها السبيل لإقامة الإسلام كله كدين، إذ أنها كانت الأداة التى تحقق بها وعد الله سبحانه فى قرآنه الكريم.

على “العلمانيين” القائلين بعلمانية الإسلام، الذين يرون أن الرسول لم يؤسس دولة، ولم يقم حكومة، ولم يكن قائدا سياسيا للمجتمع المدنى بعد هجرته، فإن أبلغ رد، هو الإشارة لمعالم الدولة التى أسسها الرسول وصحبه، والتى تبدأ بعقد التأسيس للدولة بين الرسول وقادة الأوس والخزرج، قبل شهور من هجرته، فكانت بيعة العقبة “عقدا سياسيا وعسكريا واجتماعيا، حقيقة لا مفترضا، لتأسيس الدولة الإسلامية الأولى فى التاريخ”.

إلى إنجاز الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما التزم إنجازه السياسى بين ما هو “دين خالص”، وبين ما هو “سياسة” تقيم “الدولة”، وتقودها وتنظم المجتمع وتطور عمران الحياة الدنيا، كما فى غزوتى بدر والخندق، وإنجازه فى ميدان القضاء، “إن الإسلام “دين” و”دولة”، وإن واو العطف التى تعطف الدولة على الدين، كما تفيد المغايرة، حسب معناها اللغوى، فإنها تفيد الصلة والاشتراك، فهناك تمايز بين “الدين والرسالة”، و”الدولة والسياسة”، وفى الوقت ذاته هناك صلات وخيوط ووشائج تربط بينهم، بروابط الحدود الإسلامية ومقاصد الشريعة التى شرعها الله”، بما قرره علماء الكلام والأصول بأن “الـتأسى بالرسول ليس بواجب إلا فى الشرعيات المخصصة، التى قد أمنا منه وقوع الخطأ فيها دون غيرها”.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

من إعداد فضيلة الشيخ هاشم منقارة (رئيس مجلس قيادة حركة التوحيد الإسلامي عضو جبهة العمل الإسلامي وإتحاد علماء بلاد الشام)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s